الشوكاني
30
فتح القدير
فقربوه إلى النار فلم تأت ، فقال فيكم الغلول ، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده ، فقال : الغلول عندك فأخرجه ، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ ، فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن . سورة المائدة الآية ( 27 إلى 31 ) وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه ، فالداء قديم ، والشر أصيل . وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين هل هما لصلبه أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى الأول . وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني ، وقالا : إنهما كانا من بني إسرائيل فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود ، وكانت بينهما خصومة فتقربا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل . قال ابن عطية : وهذا وهم كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدى بالغراب ؟ قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم : واسمهما قابيل وهابيل ، وكان قربان قابيل حزمة من سنبل ، لأنه كان صاحب زرع واختارها من أردأ زرعه ، حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها ، وكان قربان هابيل كبشا لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه ، فتقبل قربان هابيل فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام ، كذا قال جماعة من السلف ، ولم يتقبل قربان قابيل . فحسده وقال لأقتلنك . وقيل سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى . إلا شيثا عليه السلام فإنها ولدته منفردا ، وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من البطن الآخر . ولا تحل له أخته التي ولدت معه ، فولدت مع قابيل أخت جميلة واسمها إقليما ، ومع هابيل أخت ليست كذلك واسمها ليوذا فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل : أنا أحق بأختي ، فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر ، فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من تقبل قربانه . قوله ( بالحق ) متعلق بمحذوف وقع صفة لمصدر ( واتل ) أي تلاوة متلبسة بالحق . أو صفة لنبأ : أي نبأ متلبسا بالحق ، والمراد بأحدهما هابيل وبالآخر قابيل . و ( قال لأقتلنك ) استئناف بياني كأنه فماذا قال الذي لم يتقبل قربانه ؟ وقوله ( قال إنما يتقبل الله من المتقين ) استئناف كالأول كأنه قيل : فماذا قال الذي تقبل قربانه ؟ وإنما للحصر : أي إنما يتقبل الله القربان من المتقين لا من غيرهم ، وكأنه يقول لأخيه : إنما أتيت